في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية ، يبرز منحى جديد في مواقف عدد متزايد من الدول ، يعكس انتقالا واضحا من منطق التردد والحياد إلى تبني مواقف أكثر وضوحا وانخراطا في دعم الحلول الواقعية . ولم تعد هذه التحولات مجرد حالات معزولة ، بل أصبحت تعكس دينامية دولية متنامية تؤشر على إعادة تشكيل عميقة في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة هذا النزاع المفتعل .
و لقد أضحت مبادرة الحكم الذاتي ، التي قدمها المغرب سنة 2007 ، تحظى باعتراف متزايد باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية لتسوية ملف الصحراء المغربية . ويعود ذلك إلى قدرتها على التوفيق بين متطلبات الشرعية الدولية والحاجة الملحة إلى ضمان الاستقرار الإقليمي ، في سياق دولي لم يعد يحتمل النزاعات المزمنة أو الكيانات الهشة .
وفي هذا السياق ، تتوالى المواقف الداعمة من مختلف مناطق العالم ، حيث عبّرت عدة دول إفريقية وأوروبية مؤخرا عن دعمها الصريح للمقترح المغربي . فقد جددت جمهورية زامبيا دعمها الكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية ، مؤكدة سيادة المغرب على كامل أراضيه ، في خطوة تعكس عمق التحول داخل القارة الإفريقية .
كما أن دولا وازنة داخل الفضاء الإفريقي ، من قبيل كينيا ، باتت تتبنى مقاربة أكثر براغماتية، قائمة على دعم الحلول السياسية الواقعية تحت إشراف الأمم المتحدة، مع تعزيز علاقاتها الثنائية مع المغرب . ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لأهمية الاستقرار الإقليمي وضرورة تجاوز الأطروحات التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الراهنة . كما أن جمهورية مالي سحبت اعترافها ب “جمهورية تندوف ” الوهمية و أكدت دعمها لخطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الوحيد والجدي و الواقعي لطي هذا الملف .
وعلى الصعيد الدولي، سبق لدول أخرى ، من بينها مصر وهولندا ، أن عبّرت عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، معتبرة إياها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية نزاع الصحراء المغربية المفتعل . وهو ما يعكس انتقالا في بنية المواقف الدولية ، من الحياد السلبي إلى الانخراط الإيجابي في دعم مسار الحل .
أكيد أن هذا التنامي في الاعترافات لا ينفصل عن التحولات التي يعرفها النظام الدولي ، حيث تتراجع المقاربات الإيديولوجية لصالح منطق الواقعية السياسية ، الذي يربط بين الاستقرار والتنمية ووحدة الدول . وفي هذا الإطار ، أصبحت العديد من الدول ، خاصة في إفريقيا ، أكثر حساسية تجاه مخاطر النزاعات المفتوحة ، وأكثر ميلا إلى دعم الحلول التي تعزز الأمن الإقليمي .
وتبرز في هذا السياق فعالية الدبلوماسية المغربية ، التي يقودها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، والتي تقوم أساسا على تنويع الشراكات ، وتعزيز الحضور داخل القارة الإفريقية ، وتكريس مقاربة جنوب–جنوب قائمة على التعاون والتضامن . وقد مكنت هذه الاستراتيجية من بناء شبكة واسعة من الدعم الدولي ، مبنية على المصالح المشتركة والرؤية المتقاسمة للاستقرار .
كما أن انسجام عدد متزايد من الدول مع قرار مجلس الأمن الدولي 97 -27 يعزز من موقع ومصداقية المبادرة المغربية كخيار استراتيجي حظي و يحظى بقبول متنامٍ داخل المنتظم الدولي .
أكيد أن توالي الاعترافات والمواقف الداعمة لمغربية الصحراء لا يمثل مجرد مكاسب ظرفية ، بل يعكس تحوّلا بنيويا في موازين القوى والتصورات الجيوسياسية . فمع تزايد القناعة الدولية بضرورة طي هذا النزاع المفتعل ، تبرز مبادرة الحكم الذاتي كحل عملي ومتوازن ، قادر على إنهاء حالة الجمود وفتح آفاق جديدة للتنمية والاستقرار .
وبناء على ذلك ، يمكن القول أن الدبلوماسية المغربية ، بما راكمته من مصداقية ونجاعة ، تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ واقع دولي جديد ، تتعزز فيه مشروعية الموقف المغربي ، وتصان فيه الوحدة الترابية للمملكة ، وتتآكل فيه أطروحة الانفصال .
الدبلوماسية المغربية وتحولات الاعتراف الدولي: دينامية متصاعدة نحو ترسيخ واقعية الحكم الذاتي .




