لم يكن فوز المغرب بعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي مجرد محطة انتخابية عابرة ، بل خطوة ذات أبعاد سياسية واستراتيجية تؤكد تحول الرباط إلى فاعل مؤثر داخل منظومة القرار الإفريقي . فالحصول على هذا المقعد يضع المملكة المغربية في قلب المؤسسة المكلفة بتدبير قضايا النزاعات والأمن والاستقرار في القارة الإفريقية ، ويمنحها موقعا متقدما في صياغة المقاربات الجماعية لمواجهة التحديات الإقليمية .
و النتيجة التي أفرزها التصويت لم تكن وليدة اللحظة ، بل جاءت ثمرة عمل دبلوماسي متواصل منذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 . فقد اعتمدت الرباط على شبكة واسعة من الشراكات الثنائية ومشاريع التعاون جنوب–جنوب ، إلى جانب حضور اقتصادي وأمني متنام في عدد من دول القارة . هذا التراكم عزز صورة المغرب كشريك موثوق ، وجعل دعمه داخل مؤسسات الاتحاد يستند إلى رصيد فعلي لا إلى اعتبارات ظرفية .
ولقد تمكن المغرب من حصد أغلبية مريحة تجاوزت ثلثي الأصوات ، في مؤشر على اتساع قاعدة الدعم الإفريقي لترشيحه . وتعكس هذه النتيجة ثقة متزايدة في المقاربة المغربية تجاه قضايا الأمن والاستقرار ، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وما يشهده محيط الساحل والقرن الإفريقي من تحولات متسارعة .
و المملكة المغربية ليست وافدا جديدا على مجلس السلم والأمن ، إذ سبق أن شغلت عضويته بين عامي 2018 و 2020 . وخلال تلك الفترة ، شارك المغرب بفعالية في مناقشة ملفات الوساطة وحفظ السلام ، وساهمت في بلورة مقاربات عملية لمعالجة بؤر التوتر . هذا الرصيد منح الترشيح الحالي بعدا مؤسساتيا ورسخ صورة المغرب كفاعل ملتزم بالعمل الجماعي داخل هياكل الاتحاد.
أكيد أن أهمية هذه العضوية تتجاوز بعدها الرمزي ، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يضطلع به مجلس السلم والأمن في متابعة النزاعات ، وإطلاق مبادرات الوساطة ، والإشراف على عمليات حفظ السلام .
ويتيح هذا الموقع للمغرب توسيع هامش تحركه في ملفات حيوية مثل الأمن الإقليمي ، ومحاربة الإرهاب ، والهجرة ، وتعزيز الاستقرار في فضاء الساحل .
و دون شك أنه بهذه الخطوة ، يكرس المغرب انتقاله من مرحلة استعادة موقعه داخل الاتحاد الإفريقي إلى مرحلة التأثير في توجهاته الكبرى . فالحضور لم يعد شكليا ، بل أصبح جزءا من دينامية تهدف إلى الإسهام في صياغة السياسات القارية ، بما يعزز تموقع المملكة كقوة إقليمية فاعلة وشريك استراتيجي في معادلة الأمن و الاستقرار .




