أخبار مكناس 24/ متابعة م.عبدالحق
تحل يومه الخميس 11 يناير 2024 الذكرى 80 لتقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال . وهي مناسبة وطنية بأبعاد تاريخية وقيمية، نستلهم منها العبر ودروس الوطنية الحقة ، والمواطنة المسؤولة ، والإجماع الوطني دفاعا عن القضايا الوطنية. و نستحضر خلالها مسيرة الكفاح الوطني الذي قاده العرش العلوي المجاهد وخلفه الشعب المغربي الوفي من أجل حرية واستقلال المغرب ، وصيانة وحدته الترابية ، ونستحضر خلالها أحياء سكنية بالعديد من مدن المملكة المغربية الشريفة ، والتي خاض رجالها ونساؤها معارك بطولية وانتفاضات ، قدم خلالها المغاربة الغالي والنفيس دفاعا عن الشرعية والحرية والاستقلال، وجسدوا بذلك التلاحم القوي والوثيق بين العرش والشعب ، والذي هز أركان المستعمر الغاشم وأجبره على التعجيل بإرجاع الملك الشرعي، بطل العروبة والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وأسرته العلوية الشريفة من المنفى ، لينطلق بعد ذلك الجهاد الأكبر بهدف تنمية البلاد في مختلف المجالات، وتقوية مؤسساتها، واستكمال وحدتها الترابية ، وصون سيادتها .وهو ماحرص عليه رفيق دربه في الكفاح، مبدع المسيرة الخضراء المظفرة، جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه ، ووارث سره جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده ، الذي أصبح المغاربة في ظل فلسفته الحكيمة شعبا لا يعيش التاريخ فحسب، بل شعبا يصنع التاريخ و يبدع في صناعته.

و ” بريمة ” في مكناس ومراكش يعدان من الأحياء التاريخية في المغرب واللذان يتميزان بسحر خاص وتاريخ عريق. وحياة أجتماعية وتراثية بسيطة تعكس جوانب مختلفة من الثقافة المغربية .

وفضلا عن إرثهما التاريخي، فلقد كان لكل منهما دور هام في مقاومة المستعمر الفرنسي، حيث كانا شاهدين على العديد من الأحداث التاريخية والملاحم الوطنية ، إذ انخرط سكان حي بريمة في مكناس ومراكش ،خلال فترة المقاومة ضد المستعمر الفرنسي ، في الكفاح من أجل الحرية والاستقلال ، وشكلوا جزء من الحركة الوطنية التي نشأت لمواجهة الهيمنة الاستعمارية، والحفاظ على الهوية والثقافة المغربية ،مما يجسد الروح الوطنية العالية ، والتصميم والصمود ، دفاعا عن الاستقلال وكرامة الوطن والمواطن. وهي القيم التي يتحلى بها المغاربة في مختلف ربوع المملكة الشريفة.
وفي هذا الإطار ، نستحضر المظاهرات التاريخية التي شهدتها مختلف أحياء ربوع المملكة ، ومن بينها حي بريمة بمكناس ، لثني السلطات الفرنسية عن قرارها الجائر بنفي ملك البلاد وأسرته الشريفة.

وأمينة أبو رشيد من النساء البريميات اللواتي خرجن رفقة ساكنة مكناس لساحة لهديم في انتفاضة بطولية ضد المستعمر ، حاملة صورة جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه ، مطالبة بأعلى صوتها برجوع السلطان إلى عرشه ، وخروج فرنسا من المغرب ، مما جعل القوات الفرنسية تصوب نيران بنادقها تجاه المقاومة أمينة ، الأمر الذي تسبب في بتر يدها اليمنى وبجروح بليغة بمختلف أطراف جسدها.

ووفاء واعترافا بتضحياتها في سبيل وطنها، تم تكريم السيدة أمينة رحمها الله ومقاومين آخرين من طرف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بمناسبة الذكرى 78 لتقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال، حيث سلم السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ابنها اللوحة التقديرية اعترافا بما قدمته المقاومة أمينة رحمها الله من تضحيات في سبيل الوطن ،وذلك بحضور السيد عامل عمالة مكناس، وعدد من نساء ورجال المقاومة، والعديد من الفعاليات السياسية والثقافية والتربوية والإعلامية و الجمعوية. وهي التفاتة نبيلة في جوهرها نتمى أن تعقبها مبادرة أخرى تجاه أسرتها.

وهي مناسبة نستحضر خلالها كذلك المرحوم الحاج محمد بلخياط ، ابن حي بريمة ، و أحد رجالات الحركة الوطنية الذين تعتز العاصمة الإسماعيلية بكفاحهم ومناهضتهم للمستعمر ، ونضالهم من أجل عودة السلطان الشرعي إلى عرشه.
ولقد كان الحاج محمد بلخياط رحمه الله من بين الوطنيين الذين تم استقبالهم من طرف المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه بالقصر الملكي بالرباط سنة 1956 ، والذين حلوا بالرباط لتقديم التهاني للسلطان بعد عودته من المنفى.

ونضال سكان حي بريمة ومختلف أحياء مدينة مكناس ونواحيها دفاعا عن الثوابت الوطنية ، وضد احتكار المستعمر لمقدرات و خيرات البلاد تجسد أيضا خلال معركة بوفكران في شتنبر 1937 والتي تشكل ملحمة وطنية مجيدة ، و درسا في النضال من أجل مقاومة المرسوم الجائر الذي أصدرته السلطات الاستعمارية الفرنسية بتاريخ 12 نونبر 1936، والذي استهدف تحويل مسار مياه وادى بوفكران و احتكارها لصالح أراضي المعمرين لريها، وحرمان الساكنة المكناسية من سقي أراضيها.
وفي نفس السياق ، نستحضر كذلك مظاهرة المشور التاريخية التي شهدتها مدينة مراكش سنة 1953، والتي تلتها سلسلة من الانتفاضات والمظاهرات والوقفات الاحتجاجية وما تضمنتها من مواقف بطولية لسكان مختلف أحياء مراكش في مواجهة السلطا ت الاستعمارية حيث هزت تداعياتها أركان الإستعمار الفرنسي ووجوده بالمغرب ، و مهدت لثورة الملك والشعب الخالدة بعد القرار الجائر بنفي السلطان الشرعي ورمز السيادة الوطنية يوم 20 غشت 1953 جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه.

وهي المظاهرة التاريخية التي نستحضر خلالها الشهيدة فاطمة الزهراء البلغيتي، وهي تهتف بأعلى صوتها بحياة السلطان الشرعي حاملة العلم الوطني في يدها ، حينها أطلقت عليها القوات الاستعمارية النار لتسقطها شهيدة.
وفي هذا الإطار، وجب استحضار كذلك العملية الفدائية البطولية التي قامت بها الحركة الوطنية والتحريرية لاغتيال صنيعة الاستعمار محمد بن عرفة بمسجد بريمة بمراكش سنة 1954 بعد المحاولة البطولية لاغتيال بن عرفة التي قام بها الشهيد علال بن عبد الله في 11 شتنبر 1953.

ومن باب الوفاء والعرفان، وجب استحضار نضال وتضحيات بطل العروبة والاستقلال ورفيق دربه في الكفاح جلالة الملك محمد الخامس ، وجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراهما ، ونضال وتضحيات الشخصيات الوطنية 66 الموقعين على وثيقة المطالبة بالإستقلال ، ومن بينهم 7 من مكناس و 4 من مراكش الحمراء، وكل نساء ورجال المقاومة من مختلف أحياء مدن المملكة المغربية وقراها .
و” بريمة” المكناسية و “بريمة” المراكشية ماهما إلا نموذجين من العديد من الأحياء ببلادنا الذين أنجبوا نساء ورجالا ، انخرطوا خلف العرش العلوي المجاهد، في ملاحم بطولية ضد السلطات الإستعمارية دفاعا عن كرامة الوطن ، وضحوا بأرواحهم ليعيش المغرب حرا مستقلا.
و المناسبات الوطنية ليست محطات لسرد الأحداث التاريخية فحسب ، بل لأخذ العبرة من دروسها وصفحاتها المشرقة ،والإستلهام من قيمها ، و الحرص على تثمينها وتعزيزها وترسيخها ، والإنطلاق منها من أجل صيانة المكتسبات ، و تقوية مؤسسات الوطن، و الإنخراط الإيجابي لتحقيق مختلف الرهانات التنموية.
وستظل الملاحم الوطنية نبراسا للأجيال الحالية والصاعدة من أجل إذكاء جذوة الروح الوطنية التي ظلت مترسخة إلى اليوم ، وتشكل ركيزة لمواصلة العمل من أجل بناء مغرب موحد ، قوي، ومتجدد ، بتاريخ عريق ، وحاضر مشرق ، ومستقبل واعد ، في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.




