بقلم : أبو مروان
في رقعة الشطرنج الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، تتغير قواعد اللعبة مع كل تطور جديد. فبينما كانت جبهة البوليساريو الانفصالية تحكم قبضتها على سردية “تمثيل” الصحراويين لسنوات طويلة، جاء ظهور حركة “صحراويون من أجل السلام” ليشكل نقطة تحول حاسمة في مسألة التمثيلية. هذه الحركة، التي استطاعت كسر جدار الاحتكار وتبني المقاربة الواقعية لحل نزاع الصحراء المفتعل، وجهت “صفعة دبلوماسية” مدوية لجبهة البوليساريو الانفصالية خلال مؤتمر منظمة الأممية الاشتراكية الذي احتضنته إسطنبول، بمشاركتها كعضو مراقب. إن هذا التطور ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو مؤشر قوي على أن أوراق اللعب قد تكشفت، وأن المعادلات الدبلوماسية تتغير بشكل متسارع لصالح مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به المملكة المغربية منذ 2007، مدعومة بإنجازات دبلوماسية متسارعة تعزز الاعتراف بمغربية الصحراء وتدفع بملف طال أمده نحو نهايته المحتومة.
لقد تأسست حركة “صحراويون من أجل السلام” على يد شخصيات صحراوية كانت في السابق جزءًا من جبهة البوليساريو الإنفصالية ، لكنها اختارت مسارًا مختلفًا يدعو إلى حل سلمي وتوافقي لقضية الصحراء المغربية، حيث تركز هذه الحركة على طرح رؤية تتجاوز الأطروحات التي طالما تمسكت بها البوليساريو بدعم من صنيعتها الجزائر، وتتجه نحو تبني مقاربة واقعية تنهي معاناة المحتجزين بمخيمات لحمادة. وإن ظهور هذه الحركة في حد ذاته يمثل تحديًا للسردية الوحيدة التي طالما تبنتها جبهة البوليساريو الإرهابية كممثل وحيد لما يسمى بالشعب الصحراوي، ويفتح المجال أمام تعدد الأصوات والآراء داخل المجتمع، خاصة أولئك المحتجزين في مخيمات تندوف، والذين تُحرم غالبيتهم من حق التعبير عن رأيهم أو اختيار من يمثلهم.
أما بالنسبة لـ”الصفعة الدبلوماسية” فقد تجلت بشكل واضح في مؤتمر منظمة الأممية الاشتراكية الذي انعقد مؤخرًا في إسطنبول (أيام 23-24-25 مايو الجاري). هذا المؤتمر، الذي يجمع أحزابًا ومنظمات ذات توجهات اشتراكية وديمقراطية اجتماعية من مختلف أنحاء العالم، وشهد حضورًا بارزًا لممثلين عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المغربي، مثل نقطة تحول مهمة بحيث أتاح هذا المحفل الدولي الفرصة لحركة “صحراويون من أجل السلام” لتكسير احتكار جبهة البوليساريو لتمثيل الصحراويين، حيث تمكنت الحركة من فرض وجودها في هذا المؤتمر أمام دهشة وامتعاض الانفصاليين مما يعكس تطورًا وتحولًا مهمًا في المواقف الدولية، حيث قد تجد بعض القوى السياسية في حركة “صحراويون من أجل السلام” بديلًا براغماتيًا وجديًا للحوار، خاصة في ظل الجمود الذي يميز مقاربة البوليساريو العقيمة. وإن قدرة الحركة على التغلغل في مثل هذه المحافل الدولية، التي كانت في السابق حكرًا على الجبهة الانفصالية، يشير إلى تزايد نفوذ “حركة صحراويون من أجل السلام” وقدرتها على الانخراط الإيجابي إلى جانب المجتمع الدولي لحل هذا النزاع المفتعل.
وفي تطور دبلوماسي لافت، أعلنت كينيا اليوم الإثنين 26 ماي 2025 من الرباط اعترافها بالمخطط المغربي للحكم الذاتي كحل واقعي ووحيد لنزاع الصحراء المفتعل، مشيدة بالدينامية المتزايدة والتوافق الدولي حول هذا المقترح تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس. هذا الموقف الكيني الجديد، الذي جاء في بيان مشترك عقب مباحثات رسمية ، يؤكد التوجه المتنامي للدول الأفريقية والعالمية نحو دعم المبادرة المغربية، ويعزز مكانة المغرب كشريك موثوق في المنطقة، ويوجه رسالة قوية لأطراف النزاع بضرورة تبني الحلول البراغماتية والمستدامة التي تخدم مصالح شعوب المنطقة
.
و في سياق متصل ببروز حركة “صحراويون من أجل السلام” وتراجع نفوذ جبهة البوليساريو وصنيعتها الجزائر، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تلعبه الدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله في تسريع وتيرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وتقديم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد لإنهاء صراع طال أمده بسبب تعنت النظام الجزائري.
لقد أثبتت المملكة المغربية، من خلال استراتيجية دبلوماسية حكيمة يقودها عاهل البلاد، قدرتها على كسب تأييد دولي متزايد، مما يعزز موقفها ويفكك تدريجياً أطروحة البوليساريو الوهمية وداعميها. ولقد تجسدت هذه الإنجازات في تسارع افتتاح عدد كبير من قنصليات الدول الشقيقة والصديقة في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية. وهذه الخطوات الهامة ليست بمجرد إجراءات دبلوماسية روتينية، بل هي اعتراف صريح وراسخ بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية يعكس اقتناعًا دوليًا متزايدًا بجدية وواقعية المقترح المغربي للحكم الذاتي، والذي يوفر إطارًا ديمقراطيًا يضمن مشاركة الصحراويين في إدارة شؤونهم المحلية، في ظل الوحدة الترابية للمملكة.
وعلى النقيض تمامًا لما يعيشه المحتجزون بتندوف من قهر وفي ظروف عيش لا إنسانية، فإن الصحراويين المغاربة الذين يعيشون بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية يتمتعون بكامل حقوقهم، ويعيشون في أمن واستقرار، وقد أكدوا مرارًا وتكرارًا على مغربيتهم الراسخة وولائهم لوطنهم تحت الشعار الخالد: “الله، الوطن، الملك”. هذه الفئة العريضة من الصحراويين، الذين يعبرون عن هويتهم المغربية بكل فخر واعتزاز، تمثل دليلًا حيًا على التعايش وتحقيق التنمية في إطار وطنهم المغرب مما يقوض بشكل كبير ادعاءات البوليساريو بالتمثيل الوحيد للصحراويين.
إن هذه الديناميكية الدبلوماسية، مدعومة بصوت أبناء الصحراء المغربية الذين يعيشون في أمن واستقرار في وطنهم المغرب، تسهم بشكل فعال في تضييق الخناق على أطروحة البوليساريو الانفصالية وداعميها. فلم تعد سرديتهم تلقى آذانًا صاغية، خاصة في ظل التحولات الجيو-سياسية التي تشهدها المنطقة والعالم. وإن الاعترافات المتزايدة بمغربية الصحراء، والقبول المتنامي بمبادرة الحكم الذاتي، يسرع من وتيرة إنهاء أسطوانة الوهم المشروخة التي تتغنى بها جارة السوء، ويضع حدًا لمعاناة المحتجزين في تندوف، ويفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للمنطقة بأكملها




