أخبار مكناس 24// ابو مروان
في الأدبيات السياسية كما في الذاكرة الرمزية للمجتمعات ، لا تُرمى الحجارة إلا على الشجرة المثمرة . وهي استعارة تتجاوز بعدها الأخلاقي لتغدو أداة تحليلية لفهم سلوك الدول الصاعدة داخل النسق الدولي . فالدولة التي تراكم عناصر القوة وتفرض حضورها الإقليمي والدولي ، تصبح موضوع مراقبة وضغط ، لا بسبب إخفاقاتها ، بل بفعل نجاحاتها التي تُربك توازنات قائمة وتعيد تشكيل خرائط النفوذ . وفي هذا السياق ، يبرز المغرب اليوم كنموذج دالّ على هذا المنطق في محيطه الجيوسياسي .
لقد راكم المغرب بفضل السياسية الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله مكتسبات استراتيجية متعددة الأبعاد عززت موقعه كفاعل إقليمي موثوق وشريك دولي وازن .
فعلى المستوى الدبلوماسي ، استطاعت المملكة المغربية تحقيق اختراقات نوعية في عدد من الملفات الكبرى ، وفي مقدمتها قضية وحدتها الترابية ، عبر مقاربة تجمع بين الشرعية الدينية و التاريخية والقانونية ، والتنمية الميدانية والواقعية السياسية . هذا المسار توج باعترافات متنامية بمغربية الصحراء ، ومواقف دولية متتالية غيّرت من طبيعة التعاطي الدولي مع هذا النزاع المفتعل ، وهو ما جعل الموقف المغربي أكثر رسوخا ، لكنه في المقابل زاد من حساسية حضوره داخل بعض الدوائر الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار ، يندرج انضمام المغرب إلى مجلس السلام بوصفه مؤشرا إضافيا على هذا التحول في المكانة والوظيفة . فالمشاركة في مثل هذه الآليات متعددة الأطراف لا تمنح إلا للدول التي راكمت رصيدا من المصداقية السياسية ، والقدرة على الوساطة ، والخبرة في تدبير الأزمات . ويعكس هذا الانضمام اعترافا دوليا بالدور الذي باتت تلعبه المملكة في دعم الاستقرار الإقليمي ، سواء عبر مقاربتها الأمنية المتوازنة ، أو من خلال مساهماتها في قضايا السلم ، والتنمية ، والتعاون جنوب–جنوب. غير أن هذا الموقع المتقدم يجعل المغرب ، في الآن ذاته ، أكثر عرضة لمحاولات التشويش البغيض من أطراف ترى في حضوره المتنامي تهديدا لمعادلات نفوذ تقليدية .
وبموازاة البعد الدبلوماسي ، عمل المغرب على ترسيخ قوة ناعمة متعددة الروافد ، كان المجال الرياضي أحد أبرز تجلياتها . فقد شكل الإنجاز التاريخي للمنتخبات الوطنية في مختلف التظاهرات الرياضية القارية والدولية لحظة رمزية فارقة ، أعادت تقديم صورة المغرب كدولة قادرة على الجمع بين الأداء الرياضي الرفيع والتنظيم المحكم والرسائل الحضارية العابرة للحدود . وتندرج الإشارة إلى التنظيم الاستثنائي لكأس أمم إفريقيا 2025 في السياق نفسه ، حيث لا يُنظر إلى هذا الحدث القاري بوصفه تظاهرة رياضية فقط، بل باعتباره اختبارا شاملا لقدرة الدولة المغربية على التخطيط ، والحكامة ، والتدبير الأمني، فضلا عن بنية تحتية و مرافق ، و تجهيزات عالية المستوى تمكنها من احتضان التظاهرات العالمية الكبري . وهو رهان لا يُسند إلا للدول التي تحظى بثقة المؤسسات القارية والدولية.
و على المستوى الاقتصادي ، عزز المغرب موقعه كقطب صناعي صاعد ومنصة واعدة للانتقال الطاقي ، مستفيدا من استثمارات كبرى في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة . هذا التحول البنيوي أدرج المملكة ضمن سلاسل القيمة العالمية ، وجعلها فاعلا في معادلات الأمن الطاقي والتنمية المستدامة ، ما رفع من جاذبيتها الاستثمارية ، وفي الوقت نفسه ، رفع منسوب التنافس والضغط عليها .
و في منطق العلاقات الدولية ، لا تمر هذه التحولات دون ردود فعل . فالقوى الصاعدة غالبا ما تواجه بحملات إعلامية تستهدف صورتها ، أو بمناورات سياسية تحاول إبطاء وتيرة صعودها عبر استثمار ملفات معينة خارج سياقاتها الموضوعية . كما أن بعض أشكال التوتر الإقليمي يمكن فهمها كجزء من محاولات استنزاف غير مباشرة ، تروم تحويل انتباه الدولة عن أولوياتها الاستراتيجية .
غير أن خصوصية التجربة المغربية تكمن في طبيعة الاستجابة لهذه الضغوط . فقد اختارت المملكة المغربية نهجا يقوم على الثبات الاستراتيجي ، وعدم الانجرار إلى صراعات هامشية ، مع التركيز على الأوراش الكبرى ذات الأثر البنيوي ، وتعزيز حضورها داخل الفضاءات متعددة الأطراف ، كما هو الحال مع مجلس السلام ، إلى جانب تنويع الشراكات الدولية وتوسيع مجالات التعاون الإفريقي.
إن ما يتعرض له المغرب من حملات مسعورة من طرف الخصوم و أعداء النجاح بهدف التشويش على مسيراته التنموية و تبخيس مشاريعه الكبرى لا يمكن فصله عن هذا السياق العام. فهي ليست دليلا على ضعف ، بقدر ما تشكل مؤشرا على انتقال المملكة الشريفة إلى موقع متقدم داخل النسق الإقليمي والدولي . فالدول التي لا تملك رؤية استراتيجية واضحة و لا تحقق إنجازات ملموسة غالبا ما تبقى خارج دائرة الاستهداف لأنها خارج دائرة التأثير. أما الشجرة التي أثمرت ، فطبيعي أن تُرمى بالحجارة ، لأنها ببساطة أصبحت عالية، مرئية ، ومحملة بما يكفي لإثارة الانتباه .




