يشكل صدور المذكرة المصلحية الجديدة الموجهة إلى مختلف مصالح بطاقة التعريف الوطنية تحولا نوعيا في تدبير مسطرة إنجاز البطاقة الوطنية لفائدة القاصرين ، من خلال تمكين الأم ، في حال غياب الأب ، من الموافقة على إتمام هذه الخدمة الإدارية دون اشتراط الإدلاء بوثيقة الحضانة القانونية أو الحصول على إذن قضائي مسبق . ويعكس هذا الإجراء توجها واضحا من المديرية العامة للأمن الوطني نحو إعادة قراءة بعض الممارسات الإدارية في ضوء مبادئ التيسير والنجاعة وربط المسؤولية بالمصلحة الفضلى للقاصر .
فمن الناحية القانونية والمؤسساتية ، يندرج القرار ضمن دينامية تحديث المرفق العمومي وتعزيز مقومات الحكامة الجيدة ، لاسيما ما يتعلق بتبسيط المساطر وتقليص التعقيدات الشكلية التي قد لا يكون لها سند إلزامي صريح بقدر ما ترسخت بفعل الممارسة . كما يستحضر الإجراء التحولات التي يعرفها البناء الأسري وأنماط العيش المعاصرة ، حيث قد يوجد الأب في وضعية غياب مؤقت بسبب العمل أو الهجرة أو الإقامة بمدينة أخرى ، وهو ما كان يفرز صعوبات عملية تؤثر بشكل مباشر في حق القاصر في التوفر على وثيقة تعريفية أساسية .
أما على المستوى الاجتماعي ، فمن شأن هذا المستجد أن يخفف عبئا ملموسا عن عدد كبير من الأسر ، خاصة تلك التي كان أحد طرفيها مضطرا إلى التنقل لمسافات طويلة أو مغادرة مقر العمل من أجل مرافقة الأبناء إلى مصالح الأمن الوطني . وتزداد أهمية هذا التبسيط بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج أو القاطنين بمناطق بعيدة عن محل السكن الأسري ، حيث كانت الإجراءات السابقة تفرض كلفة زمنية ومادية إضافية لا تنسجم دائما مع منطق الفعالية الإدارية .
وفي بعده الحقوقي ، يعكس القرار توجها نحو تكريس مقاربة أكثر توازنا في التعاطي مع مسؤولية الأبوين في ما يرتبط بالإجراءات الإدارية اليومية ، بما ينسجم مع روح التشريع الوطني الذي يجعل مصلحة القاصر معيارا مرجعيا في مختلف القرارات المتصلة به . فتمكين الأم من مباشرة هذه المسطرة في حال غياب الأب لا يشكل مساسا بالبنية القانونية للأسرة ، بقدر ما يمثل تكييفا عمليا يراعي الواقع ويمنع تعطيل مصلحة الطفل بسبب اعتبارات شكلية .
وقد حظيت هذه الخطوة بإشادة واسعة في مختلف الأوساط ، باعتبارها مؤشرا إضافيا على مسار الإصلاح الذي تشهده المديرية العامة للأمن الوطني في السنوات الأخيرة ، سواء على مستوى تحديث البنيات ، أو رقمنة الخدمات ، أو الارتقاء بعلاقة الإدارة بالمرتفقين . ويقرأ هذا المستجد أيضا في إطار سعي المؤسسة الأمنية إلى تكريس ثقافة القرب ، وتحسين جودة الخدمات ، واعتماد حلول عملية ومرنة لمختلف النوازل ، بما يعزز الثقة في المرفق العمومي ويكرس صورته كمؤسسة مواطنة مواكِبة للتحولات المجتمعية.
أكيد أن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه الإجرائي ، بل في دلالته الرمزية المرتبطة بإعادة هندسة العلاقة بين الإدارة والمواطن على أساس التيسير بدل التعقيد ، والنجاعة بدل الشكلانية . وهو ما يؤشر على انتقال تدريجي نحو نموذج إداري أكثر استجابة لانتظارات المجتمع ، وأكثر انسجاما مع مبادئ الحكامة الجيدة والعدالة الإدارية ، بما يرسيخ الإدارة المغربية كمرفق عمومي حديث، فعال، ومتمحور حول خدمة المواطن .




