أعاد قرار المحكمة الدستورية رقم 261/25 النقاش حول إصلاح قطاع الصحافة إلى سكّته الدستورية الصحيحة، واضعًا حدًا لمحاولة تشريعية أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط المهنية والسياسية، بعدما قضى بعدم دستورية عدد من المقتضيات الجوهرية الواردة في القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك بناءً على إحالة برلمانية وفق مقتضيات الفصل 132 من الدستور.
ولم يأتِ هذا القرار في معزل عن السياق العام الذي طبع المسار التشريعي للقانون، والذي اتسم بتوتر واضح بين منطق التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة كما كرّسه دستور 2011، ومحاولات إعادة هندسة تركيبة المجلس الوطني للصحافة وفق تصور تشريعي أثار مخاوف حقيقية بشأن استقلالية المهنة والتعددية داخلها.
فالمحكمة الدستورية، وهي تبسط رقابتها، لم تتعامل مع النص المطعون فيه من زاوية تقنية ضيقة، بل قرأته في ضوء الوظيفة الدستورية للصحافة باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الخيار الديمقراطي، وفضاءً للتعدد والتعبير الحر. واعتبرت أن ترجيح كفة فئة الناشرين عددياً على حساب الصحافيين المهنيين يخلّ بالتوازن البنيوي الذي يفترض أن يقوم عليه أي تنظيم ذاتي، قائم على التكافؤ لا على الغلبة، وعلى الشراكة لا على الهيمنة.
كما شددت المحكمة على أن حصر التمثيلية في منظمة مهنية واحدة يُعد مساسًا صريحًا بمبدأ التعددية، الذي يشكل أحد الأعمدة الدستورية لحرية التعبير واستقلال المهنة، معتبرة أن التعددية ليست خيارًا تنظيمياً ظرفياً، بل ضمانة جوهرية لا تقبل التفريغ أو الالتفاف.
وامتد فحص المحكمة ليشمل هندسة الحكامة والانضباط المهني داخل المجلس، حيث أسقطت مقتضيات تتعلق بلجنة الاستئناف التأديبية، معتبرة أن الجمع بين مهام أخلاقية ووظائف تقريرية ذات طابع تأديبي يخل بمبدأ الحياد ويضعف ضمانات المحاكمة العادلة، حتى داخل الهيئات المهنية غير القضائية، في توجه يعكس ترسيخًا لمعايير العدالة الإجرائية في الفضاءات التنظيمية غير القضائية.
وفي المقابل، حرصت المحكمة الدستورية على احترام مبدأ فصل السلط، فأقرت بدستورية عدد من المقتضيات المرتبطة بآليات الانتداب وشروط العزل، معتبرة أنها تندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرّع، ما دامت مشفوعة بالضمانات الإجرائية وإمكانية الطعن القضائي.
سياسيًا، لقي القرار ترحيبًا واسعًا في صفوف المعارضة البرلمانية. وفي هذا السياق، اعتبر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن قرار المحكمة الدستورية أكد صواب التحذيرات التي عبّرت عنها المعارضة منذ بداية المسار التشريعي، مشددًا على أن الخلل لم يكن تقنيًا، بل بنيويًا، مرتبطًا بفلسفة النص التي لم تحترم مبدأ الاستقلالية ولا التوازن بين مكونات المجلس، خاصة في ما يتعلق بتمثيلية الصحافيين والناشرين.
وانضمت إلى هذا الموقف كل من حزب التقدم والاشتراكية وحزب الحركة الشعبية، حيث اعتبرا أن الحكم الدستوري يشكل انتصارًا صريحًا لروح الدستور ولمبادئ التنظيم الذاتي الديمقراطي لمهنة الصحافة، وتأكيدًا على وجاهة المرافعات التي قادتها مكونات المعارضة داخل البرلمان وخارجه، محذّرة من مخاطر تقويض التعددية وترسيخ منطق التحكم بدل الديمقراطية المهنية.
وأكدت هذه الهيئات السياسية أن إسقاط المقتضيات المتعلقة بتركيبة المجلس، واحتكار التمثيلية، وانتخاب الرئيس ونائبه، وإعداد التقرير السنوي، وكذا خرق مبدأ الحياد داخل الأجهزة التأديبية، يمس جوهر القانون ويفرغه من فلسفته، معتبرة أن أي محاولة للالتفاف عبر تعديلات جزئية لن تكون كافية لمعالجة الاختلالات العميقة التي كشف عنها القرار.
وبناءً على ذلك، دعت مكونات المعارضة الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها الدستورية والسياسية، وفتح نقاش تشريعي جديد من الصفر، وفق مقاربة تشاركية حقيقية، تُشرك الصحافيين والناشرين والهيئات المهنية والحقوقية، وتستحضر التجربة المغربية في التنظيم الذاتي منذ دستور 2011، إلى جانب المعايير الدولية، من أجل بلورة إطار قانوني يضمن استقلال الصحافة، ويحمي التعددية، ويصون حرية التعبير باعتبارها جوهر البناء الديمقراطي.
وبهذا المعنى، لا يُعد قرار المحكمة الدستورية مجرد حسم في نزاع تشريعي، بل محطة مفصلية في مسار دستوري يرسم حدود السلطة التشريعية، ويعيد التأكيد على المكانة المركزية للصحافة في دولة الحق والقانون.




