العدالة التصالحية بالمغرب : نحو ترسيخ ثقافة الصلح كخيار استراتيجي لتحديث العدالة الجنائية.

عبد اللطيف نبيه18 مارس 2026آخر تحديث :
العدالة التصالحية بالمغرب : نحو ترسيخ ثقافة الصلح كخيار استراتيجي لتحديث العدالة الجنائية.

يشكّل التوجه الذي كرسته دورية رئاسة النيابة العامة بشأن تفعيل مسطرة الصلح محطة نوعية في مسار تحديث العدالة الجنائية بالمغرب ، ويعكس إرادة مؤسساتية واضحة لترسيخ نموذج عدالة أكثر إنصافا ونجاعة وإنسانية . فهذه المبادرة لا تقرأ فقط كإجراء تقني لتدبير القضايا ، بل كتحوّل عميق في فلسفة العقاب ، من منطق زجري صرف إلى مقاربة تقوم على الإصلاح وإعادة التوازن الاجتماعي .

و مسطرة الصلح ، كما يؤطرها قانون المسطرة الجنائية ، تمثل أحد أبرز تجليات العدالة التصالحية ، حيث تتيح للأطراف فرصة تسوية النزاع بشكل ودي يراعي مصالح الضحية ويمنح الجاني إمكانية تصحيح سلوكه خارج دائرة العقاب التقليدي . وهذا التوجه يتماشى مع التحولات الحديثة في الفكر الجنائي ، التي لم تعد ترى في العقوبة غاية في حد ذاتها ، بل وسيلة لتحقيق الردع والإدماج الاجتماعي في آن واحد .

 

وتبرز أهمية هذه الدورية في كونها ترتقي بالصلح من مجرد خيار ثانوي إلى آلية مركزية في تدبير القضايا الزجرية ، عبر الحث على تفعيله بشكل تلقائي كلما توفرت شروطه القانونية . كما تعزز دور الوساطة كأداة فعالة لتقريب وجهات النظر ، وهو ما يكرس مقاربة تشاركية في تحقيق العدالة ، تشرك الفاعلين القضائيين والاجتماعيين في إنتاج الحلول بدل الاقتصار على إصدار الأحكام .

فمن زاوية سوسيولوجية ، يسهم هذا التوجه في إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة ، خاصة في القضايا ذات الطابع البسيط أو العلاقاتية ، حيث يكون الحفاظ على الروابط الاجتماعية أولوية لا تقل أهمية عن إنفاذ القانون . فالصلح لا يقتصر على إنهاء النزاع ، بل يعيد ترميم النسيج الاجتماعي ويحدّ من منسوب الاحتقان ، وهو ما يمنحه بعدا مجتمعيا يتجاوز الإطار القانوني الضيق .

أما على المستوى العملي ، فإن تعميم اللجوء إلى الصلح من شأنه التخفيف من الضغط المتزايد على المحاكم ، وتسريع وتيرة البت في القضايا ، بما يحقق النجاعة القضائية المنشودة . كما ينسجم مع التوجهات الكبرى لإصلاح منظومة العدالة بالمغرب ، التي تجعل من تحديث الآليات الإجرائية وتبسيط المساطر مدخلا أساسيا لتحسين جودة الخدمات القضائية .

أكيد أن دورية رئاسة النيابة العامة بشأن تفعيل مسطرة الصلح ليست مجرد توجيه إداري عابر ، بل تمثل لبنة أساسية في بناء عدالة حديثة ومتوازنة ، قوامها الإنصاف والفعالية والبعد الإنساني . وهي بذلك تؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي مع النزاعات والجرائم، قوامها الإصلاح بدل العقاب ، والتوافق بدل الصراع ، بما يعزز مكانة المغرب ضمن التجارب الرائدة في تبني العدالة التصالحية .

الاخبار العاجلة