يشكل الموقف الأخير للاتحاد الأوروبي بشأن قضية الصحراء المغربية منعطفا دبلوماسيا بالغ الدلالة ، يمكن قراءته في سياق دينامية دولية متصاعدة تعزز الاعتراف بمغربية الصحراء وتكرّس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الواقعي الوحيد لتسوية هذا النزاع الإقليمي المفتعل . فتبني الاتحاد خطابا سياسيا واضحا يثمّن المقترح المغربي لا يعد مجرد تعبير عن دعم تقني لمسار تفاوضي ، بل يعكس تحولا عميقا في إدراك العواصم الأوروبية لطبيعة النزاع ولمحددات الحل الممكن .
فتثمين الحكم الذاتي بوصفه حلا “جادا وواقعيا وذا مصداقية” يحمل في مضمونه إقرارا ضمنيا بأن هذا المقترح يشكل التعبير العملي عن السيادة المغربية في إطار متقدم من اللامركزية السياسية ، يضمن تدبيرا ديمقراطيا لشؤون أقاليمنا الجنوبية في ظل وحدة و سيادة المملكة المغربية . وبهذا المعنى ، فإن الموقف الأوروبي يتجاوز منطق الحياد التقليدي إلى الاعتراف السياسي بمغربية الصحراء ، خاصة وأنه يصدر عن مؤسسة تمثل سبعا وعشرين( 27 ) دولة وتشكل أحد أهم الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين على الساحة الدولية .
كما أن هذا التطور يعكس وعيا أوروبيا متزايدا بأن المبادرة المغربية لم تعد مجرد طرح نظري ، بل تشكل مشروعا متكاملا يستند إلى أرضية دستورية ومؤسساتية واضحة ، ويستند إلى نموذج تنموي متقدم بالأقاليم الجنوبية للمملكة ، حيث تم ضخ استثمارات استراتيجية في البنيات التحتية ، والطاقة المتجددة ، والموانئ والمطارات ، والمعاهد العليا والربط اللوجستيكي . وإن هذه الدينامية التنموية ، التي يشهد بها شركاء دوليون ، عززت مصداقية الطرح المغربي وجعلت من الحكم الذاتي صيغة عملية تزاوج بين احترام الخصوصيات المحلية وترسيخ السيادة الوطنية .
دلالات القرار الأوروبي لا تقف عند حدود الاعتراف السياسي ، بل تمتد إلى البعد الاستراتيجي . فاختيار بروكسل تعزيز شراكتها مع المغرب من طنجة إلى لكويرة ، يؤكد أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع أقاليمنا الجنوبية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المنظومة الترابية والاقتصادية للمملكة الشريفة . وفي سياق التحديات الأمنية التي تعصف بمنطقة الساحل والصحراء ، يبرز المغرب كفاعل مركزي في تثبيت الاستقرار الإقليمي ، وهو ما يجعل دعم وحدته الترابية خيارا منسجما مع المصالح الأوروبية بعيدة المدى .
كما أن هذا الموقف يعكس تراجعا عمليا لخطاب الأطروحات الانفصالية داخل الفضاء الأوروبي ، بعدما أصبح واضحا أن مقاربة التقسيم أو خلق كيانات هشة لا تخدم لا الأمن الإقليمي ولا التنمية المشتركة . في المقابل ، يطرح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية نموذجا توافقيا يضمن تمثيلية الساكنة المحلية وتدبيرها لشؤونها في إطار المؤسسات الوطنية ، وهو ما ينسجم مع روح القرارات الأممية الداعية إلى حل سياسي واقعي ودائم.
ومن زاوية القانون الدولي ، فإن دعم مبادرة الحكم الذاتي يعزز الطرح القائم على الحل السياسي التوافقي بدل المقاربات المتجاوزة التي أثبتت محدوديتها على مدى عقود . فالاتحاد الأوروبي ، بانخراطه الإيجابي في هذا الاتجاه ، يسهم في إعادة توجيه النقاش نحو منطق الحلول الممكنة بدل تغذية الجمود . وهو ما يمنح المبادرة المغربية زخما إضافيا داخل المنتظم الدولي ، ويكرسها كخيار يحظى بإسناد متنام من قوى دولية مؤثرة .
أكيد أن الموقف الأوروبي يشكل خطوة متقدمة في مسار ترسيخ الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء ، وتكريسا لمصداقية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل نهائي وعملي للنزاع المفتعل . إنه تطور يؤكد أن الواقعية السياسية باتت الإطار الناظم للتعاطي مع هذه القضية ، وأن الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي تقوم على وضوح في الرؤية وتطابق في المصالح ، بما يعزز الاستقرار الإقليمي ويكرس وحدة المملكة الترابية كمعطى ثابت في المعادلة الدولية .




